ابن تيميه

110

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

قبره ، فلم تكن الصحابة بالمدينة يزورون قبره صلى اللّه عليه وسلّم لا من المسجد خارج الحجرة ولا داخل الحجرة ، ولا كانوا أيضا يأتون من بيوتهم لمجرّد زيارة قبره صلى اللّه عليه وسلّم ، بل هذا من البدع التي أنكرها الأئمة والعلماء ، وإن كان الزائر منهم ليس مقصوده إلا الصلاة والسلام عليه وبينوا أن السلف لم يفعلوها كما ذكره مالك في المبسوط ، وقد ذكره أصحابه كأبي الوليد الباجي والقاضي عياض وغيرهما ، قيل لمالك : إن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك - أي يقفون على قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم فيصلّون عليه ، ويدعون له - ولأبي بكر وعمر - يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر ، وربما وقفوا في الجمعة أو الأيام المرة أو المرتين ، أو أكثر عند القبر ، يسلّمون ويدعون ساعة ، فقال : لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا ، وتركه واسع ، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ، ولم يبلغني هذا عن أول هذه الأمة وصدرها ؛ أنهم كانوا يفعلون ذلك ، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده . فقد كره مالك رحمه اللّه هذا وبيّن أنه لم يبلغه هذا عن أهل العلم بالمدينة ، ولا عن صدر هذه الأمة وأولها ، وهم الصحابة ، وإن ذلك يكره لأهل المدينة إلا عند السفر ، ومعلوم أن أهل المدينة لا يكره لهم زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد وغيرهم ، بل هم في ذلك ليسوا بدون سائر الأمصار ، فإذا لم يكن لأولئك الامتناع عن زيارة القبور ، بل يستحبّ عند جمهور العلماء ، كما كان النبي صلى اللّه عليه وسلّم يفعل ، فأهل المدينة أولى أن لا يكره ؛ بل يستحب لهم زيارة القبور ، كما يستحبّ لغيرهم ، اقتداء بالنبي صلى اللّه عليه وسلّم ، ولكن قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم خصّ بالمنع شرعا وحسّا . كما دفن في الحجرة ومنع الناس من زيارة قبره من الحجرة ، كما تزار سائر القبور فيصل الزائر إلى عند القبر ، وقبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم ليس كذلك ، فلا تستحبّ هذه الزيارة في حقّه ، ولا تمكن ، وهذا لعلوّ قدره وشرفه ، لا لكون أن غيره أفضل منه ، فإن هذا لا يقوله أحد من المسلمين ، فضلا عن الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين بالمدينة وغيرها . ومن هنا غلط طائفة من الناس يقولون إذا كانت زيارة قبر آحاد الناس مستحبة فكيف بقبر سيد الأولين والآخرين . [ زيارة القبور ليست من باب الإكرام والتعظيم ] وهؤلاء ظنّوا أن زيارة قبر الميت مطلقا هو من باب الإكرام والتعظيم له ، والرسول أحق بالإكرام والتعظيم من كل أحد ، وظنوا أن ترك الزيارة له فيه تنقّص لكرامته ، فغلطوا وخالفوا السنة وإجماع الأئمة ، سلفها وخلفها ، فقولهم نظير قول من يقول : إذا كانت زيارة القبور يصل الزائر فيها إلى قبر المزور ؛ فإن ذلك أبلغ في الدعاء له . وإن كان مقصوده دعاءه كما يقصده أهل البدع فهو أبلغ في دعائه ، فالرسول أولى أن نصل إلى قبره إذا زرناه .